البناء المستدام يصبح توجهاً أساسياً في الإمارات

البناء المستدام يصبح توجهاً أساسياً في الإمارات

إذا زرت اليوم موقع بناء رئيسي في دبي، ستلاحظ اختلافاً كبيراً عما كان موجوداً في السابق. فبدلاً من رؤية أكوام من الخرسانة الجديدة والعوارض الفولاذية الحديثة، ستجد الآن مواد معاد تدويرها في كل مكان. كما بدأ استخدام الخيزران في تطبيقات غير تقليدية، فيما تحولت الألواح الزجاجية إلى عناصر قادرة على جمع الطاقة الشمسية وتوليد الكهرباء.

لم يحدث هذا التطور لمجرد تغيّر توجه المطورين نحو حماية البيئة، فقد أوضحت حكومة الإمارات من خلال مبادرة صافي انبعاثات صفرية 2050 أن أساليب العمل التقليدية لم تعد كافية بعد الآن، وتضع خطة دبي الحضرية 2040 الاستدامة ضمن الاعتبارات المهمة لتطوير المشاريع الكبرى والحصول على الموافقات اللازمة. لكن العامل الذي سرّع انتشار البناء الأخضر لم يكن تنظيمياً أو بيئياً فقط، بل اقتصادياً أيضاً.

دفع المستأجرون مبالغ أكبر مقابل المكاتب الحاصلة على شهادة LEED، وسجلت المجتمعات السكنية المستدامة استهلاكاً أقل للكهرباء، وهكذا، لم يعد بناء المباني الخضراء مجرد استثمار بيئي، بل أصبح استثماراً مالياً.

البناء المستدام يصبح توجهاً أساسياً في الإمارات

كيف تختار مواد بناء أكثر استدامة؟

يساعد اختيار مواد البناء المناسب في تقليل استهلاك الطاقة والحد من الأثر البيئي للمشاريع، مع الحفاظ على متانة المباني وكفاءتها التشغيلية.

  • الفولاذ المعاد تدويره: يساهم استخدام الفولاذ المعاد تدويره في توفير حوالي 75% من الطاقة، وقد أثبتت المدينة المستدامة (The Sustainable City) نجاح هذه الطريقة؛ إذ تستخدم مبانيها السكنية الفولاذ المعاد تدويره في جميع أجزاء الهيكل، ويؤدي وظيفته تماماً مثل الفولاذ الخام.
  • خرسانة القنب (Hempcrete): قد يبدو مصطلح خرسانة القنب غريباً، لكنها تنظم درجة الحرارة بشكل طبيعي، بمزج ألياف القنب مع الجير، نحصل على قوالب خفيفة الوزن تتميز بعزل حراري ممتاز. وقد اختبرت بعض مشاريع الفلل في أبوظبي هذه التقنية مؤخراً، حيث أفاد السكان بانخفاض ملحوظ في درجة حرارة المساحات الداخلية حتى مع تقليل تشغيل أجهزة التكييف.
  • الخيزران: يصل الخيزران إلى حجمه الكامل خلال 3 إلى 5 سنوات، مقارنة بعقود من الزمن للأشجار الصلبة. ويستخدم بكثرة في مشاريع البناء الأخضر الفاخرة؛ في الخزائن، والجدران المميزة، وأرضيات الشرفات الخارجية، كما أنه يتحمل رطوبة الإمارات جيدًا طالما تم عزله بشكل صحيح.
  • الزجاج الكهروضوئي: يدمج الزجاج الكهروضوئي الخلايا الشمسية مباشرة في ألواح النوافذ، وهو ما تستخدمه مدينة مصدر (Masdar City) على نطاق واسع. يولد هذا الزجاج الطاقة مع السماح بمرور الضوء. وبالنظر إلى وفرة أشعة الشمس في الإمارات طوال معظم أيام السنة، فإن الزجاج الكهروضوئي يوفر إمكانات كبيرة لإنتاج الطاقة مقارنة بالمناطق ذات الأجواء الأكثر غيوماً.
  • الخرسانة ذاتية الإصلاح: تحتوي الخرسانة ذاتية الإصلاح على بكتيريا أو بوليمرات مدمجة فيها، فعندما تتشكل الشقوق ويتسرب الماء، تنشط عوامل الترميم والإصلاح وتغلق الفجوات. وقد بدأ مطورو العقارات في دبي باستخدام هذه التقنية في مواقف السيارات والأساسات التي تتعرض للماء بشكل منتظم.

الواح شمسية لتوفير الطاقة في المباني المستدامة في دبي

أنظمة الطاقة التي تخفض تكاليف التشغيل

يستهلك التبريد معظم الطاقة في مباني الإمارات. ورغم صعوبة تغيير الظروف المناخية، فإن تصميم المباني واختيار أنظمة التكييف والعزل المناسبة يمكن أن يقلل من تأثير الحرارة على استهلاك الطاقة. أدركت البراري (Al Barari) بأهمية استخدام الزجاج المتطور للنوافذ بأنها تحدث فرقاً كبيراً، واستخدمت في الفلل زجاجاً ثلاثي الطبقات مزوداً بطبقات خاصة تحجب الحرارة مع السماح بمرور الضوء الطبيعي.

نتيجة لذلك، انخفضت أحمال التكييف بأكثر من النصف مقارنة بمنازل مماثلة في المساحة تستخدم نوافذ تقليدية، ورغم ارتفاع التكلفة الأولية لهذه النوافذ، فإن السكان يستفيدون من انخفاض فواتير الكهرباء الشهرية.

قامت منطقة تلال الغاف (Tilal al Ghaf) بتركيب أنظمة تبريد بتدفق متغير للمبردات في جميع وحداتها السكنية، فبدلاً من تبريد المبنى بأكمله بشكل متساوي، توزع أنظمة VRF التبريد وفقاً للاحتياجات الفعلية لكل مساحة. ويساعد ذلك على تقليل التشغيل المستمر للضواغط، ما يخفض استهلاك الكهرباء ويطيل العمر التشغيلي للمعدات.

أصبحت إضاءة LED معياراً شائعاً في المباني الحديثة؛ فهي تستهلك طاقة أقل بنسبة 75% من المصابيح المتوهجة القديمة. وإذا أضفنا إليها أنظمة تحكم ذكية تعدل الإضاءة تلقائياً بناءً على وجود الأشخاص في الغرفة، فسنوفر المزيد في استهلاك الكهرباء.

المباني المستدامة تصبح توجهاً اساسياً في دبي

اللوائح الإماراتية ودورها في تطوير البناء الأخضر

لم تعد شهادات LEED وتصنيفات اللؤلؤ التابعة لنظام استدامة مجرد متطلبات إدارية، بل أصبحت أدوات لتقييم أداء المباني وفق معايير محددة. وتشمل هذه المعايير كفاءة استخدام الطاقة، وترشيد استهلاك المياه، وجودة الهواء الداخلي، واستدامة مواد البناء. وتعتمد هذه الأطر على معايير قابلة للقياس، ما يجعل تقييم أداء المباني أكثر وضوحاً من الاكتفاء بالتصريحات التسويقية العامة.

عامل التكلفة

البناء التقليدي

البناء الأخضر والمستدام

الأثر على المدى الطويل

التكلفة الأولى

أقل

أعلى

يمكن استرداد الأكثر منه خلال فترة قصيرة نسبياً

فواتير الطاقة

بالمستويات المعتادة

أقل بنحو 30 - 40%

تتراكم الوفورات سنوياً

الصيانة

إصلاحات متكررة

مواد أكثر متانة

انخفاض تكاليف الصيانة طوال العمر التشغيلي

قيمة العقار

ضمن المستويات المعتادة

إمكانية تحقيق علاوة سعرية

فرص أفضل لإعادة البيع بسعر أعلى

حلول ترشيد المياه المناسبة لبيئة الإمارات

لا يزال شح المياه من التحديات المهمة في الإمارات، ولذلك يتطلب البناء الأخضر حلولاً عملية تقلل الاستهلاك دون التأثير سلباً في راحة السكان أو جودة المساحات الخارجية. تعد تركيبات السباكة الموفرة للمياه الحل الأمثل، فالمراحيض ذات نظام التدفق المزدوج، والحنفيات المهوية، ورؤوس الدش الموفرة للطاقة، تقلل استهلاك المياه بنسبة تتراوح بين 30 و40%، دون أن يلاحظ المستخدمون الفرق في الاستخدام اليومي. وقد جعلت المدينة المستدامة هذه التجهيزات إلزامية في جميع منازلها.

تجمع المياه الرمادية المعاد تدويرها من الأحواض والاستحمام والغسالات، ثم تعالج وتعاد استخدامها في ري المساحات الخضراء. وتحقق المجتمعات التي تتمتع بمساحات خضراء واسعة وفورات كبيرة في هذا الصدد. مع ذلك، تحتاج أنظمة المعالجة إلى صيانة دورية، وهو جانب قد لا يحظى بالتقدير الكافي لدى بعض المطورين، لكن الوفورات المحققة من إعادة الاستخدام يمكن أن تبرر هذه التكاليف.

اتبعت غاف وودز (Ghaf Woods) نهجاً مختلفاً تماماً؛ فقد زرعوا بشكل شبه حصري نباتات صحراوية محلية، وبمجرد أن تستقر هذه النباتات، فإنها لا تحتاج إلى ري تقريباً. بذلك، تحافظ المنطقة على مظهر أخضر وجذاب، مع استهلاك جزء بسيط من المياه التي تحتاج إليها المشاريع التي تعتمد على العشب المستورد والنباتات الاستوائية.

الألواح الشمسية توفر الطاقة للمباني المستدامة في دبي

اختيار مواقع البناء بطريقة تحافظ على البيئة الطبيعية

يحظى اختيار موقع المشروع باهتمام أقل مما يستحق في النقاشات المتعلقة بالبناء الأخضر، رغم تأثيره الكبير في الاستدامة وتكاليف التطوير. يساعد تطوير الأراضي التي تم استخدامها سابقاً على تجنب تدمير المناطق الصحراوية الطبيعية غير المطورة، كما يتيح الاستخدام من البنية التحتية القائمة، مثل الطرق وشبكات المرافق والخدمات.

حولت مدينة دبي الصناعية (Dubai Industrial City) المناطق الصناعية القديمة إلى مشاريع متعددة الاستخدامات. ورغم أن تنظيف التلوث يتطلب تكاليف إضافية، إلا أن الاستخدام من البنية التحتية القائمة، تساعد على خفض بعض النفقات وتجنب الأضرار البيئية المرتبطة بتطوير الأراضي الطبيعية من الصفر.

يحقق البناء في المناطق الحضرية القائمة أقصى قدر من الكفاءة، فالطرق موجودة، والخدمات متوفرة، ووسائل النقل العام متوفرة أيضاً. وهذا يقلل الحاجة إلى مد المرافق والخدمات إلى مناطق صحراوية غير مأهولة، وهي عملية قد تكون مكلفة وتستهلك موارد كبيرة. ولهذا السبب، تشجع خطة دبي الحضرية 2040 صراحة تطوير الأراضي والمساحات غير المستغلة داخل النسيج العمراني القائم.

تقلل التصاميم التي تتناغم مع التضاريس القائمة من أعمال الحفر، فقد حافظت البراري على أنماط الصرف الطبيعية بدلاً من تسوية الأرض بالكامل وإنشاء أنظمة تصريف مياه الأمطار الاصطناعية، لتندمج المباني بسلاسة مع المناظر الطبيعية.

نجحت بعض مشاريع الشارقة أيضاً في الحفاظ على أشجار الغاف التراثية من خلال تخطيط مواقع البناء حولها وتدريب المقاولين على حماية منطقة الجذور بشكل صحيح. وعلى الرغم من أن ذلك يتطلب تخطيطاً أكثر دقة، لكنه يحقق نتائج أفضل من قطع الأشجار وإعادة زراعتها لاحقاً.

المباني المستدامة تصبح توجهاً أساسياً في دبي

التكلفة الحقيقية للبناء المستدام

من المهم النظر إلى التكاليف الأولية للبناء الأخضر بواقعية. فعادة ما تكون أعلى في البداية، فعادةً ما تزيد تكلفة الإنشاء بنسبة تتراوح بين 5% و15% مقارنة بالبناء التقليدي، نتيجة استخدام مواد أفضل، وتركيب أنظمة تكييف أكثر كفاءة، واستيفاء متطلبات الشهادات البيئية.

لكن الأمر يصبح مثيراً للاهتمام هنا. يسترد معظم المطورين أموالهم في غضون 5 إلى 7 سنوات تقريباً، لأن فواتير الطاقة تنخفض، وتكاليف المياه تتراجع، ولا تحتاج تلك المواد عالية الجودة إلى الاستبدال بشكل متكرر. في دبي مارينا، تحقق المباني الحاصلة على شهادات المباني الخضراء إيجارات أعلى بنسبة تتراوح بين 10 و20% من المباني العادية. وهو فارق يمكن أن يؤثر بوضوح في دخل المالك والعائد من العقار.

لكن الأمر ليس بهذه السهولة، فالحصول على مواد مستدامة متخصصة قد يستغرق وقتاً أطول مما تتخيل، كما أن إيجاد مقاولين ذو خبرة في هذا المجال ليس أمراً سهلاً. وهذا قد يؤثر على الجدول الزمني وجودة العمل إن لم تكن حذراً.

هنا تبرز أهمية الوصول إلى معلومات موثقة حول أداء المباني وشهاداتها البيئية. وتساعد منصة كوتوك (Kotook) على جمع المعلومات المتعلقة بشهادات LEED واستدامة في مكان واحد، بما يتيح للمطورين تقديم أدلة تدعم ادعاءاتهم المتعلقة بالاستدامة، بدلاً من الاعتماد على الرسائل التسويقية وحدها. كما تتيح هذه المعلومات للمشترين الاطلاع على بيانات فعلية عن أداء المباني، بدلاً من الاكتفاء بوعود عامة. ويسهم ذلك في تعزيز الشفافية داخل سوق البناء الأخضر والمستدام على اتخاذ قرارات استناداً إلى المعلومات.

المباني المستدامة تصبح توجهاً اساسياً في دبي

توجهات جديدة ترسم مستقبل قطاع الإنشاءات

انتقل البناء الصديق للبيئة في الإمارات من مرحلة التجارب إلى ممارسات أكثر انتشاراً خلال فترة أقصر مما يتوقع معظم الناس. ويستخدم المطورون الآن مواد معاد تدويرها بشكل روتيني، وتظهر أنظمة كفاءة الطاقة وتقنيات ترشيد استهلاك المياه في معظم المشاريع الجديدة. وتدعم الجوانب الاقتصادية هذا التحول البيئي، فالمباني الخضراء أقل تكلفة في التشغيل، وأعلى إيجاراً، وأكثر رضا للمستأجرين. كما أن الزيادات الأولية في التكلفة تتقلص مع تطور سلاسل التوريد واكتساب المقاولين مزيداً من الخبرة.

تساهم السياسات الحكومية، وطلب السوق، والتطور التكنولوجي في تعزيز الاستدامة. وتثبت المشاريع التي أنجزت خلال السنوات القليلة الماضية جدوى مشاريع البناء الصديقة للبيئة في المناخات الصحراوية، سواءً من الناحية التقنية أو المالية.

الوسوم:

article

رؤى سوق المشاريع على الخارطة

احصل على المعلومات عبر واتساب

الأسئلة الشائعة

عادة تزيد تكلفة بناء المباني الخضراء بنسبة تتراوح بين 5 و15%، ولكن غالباً يتم تعويض هذه التكلفة خلال سبع سنوات بفضل وفورات الطاقة وارتفاع الإيجارات.

تساعد مواد مثل الفولاذ المعاد تدويره وخرسانة القنب والزجاج عالي العزل على تحسين كفاءة المبنى وتقليل انتقال الحرارة. كما يمكن للزجاج الكهروضوئي توليد الكهرباء من أشعة الشمس، ما يساهم في خفض الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.

يعد نظام LEED و نظام تقييم اللؤلؤ (Estidama Pearl) من المعايير المعترف بها التي تؤثر فعلياً على قيمة العقارات وأسعار الإيجار.

شارك هذا المنشور

المواضيع الأكثر رواجاً

مقالات ذات صلة