مقر مجموعة بيئة في الشارقة: نموذج للمباني المستدامة في مناخ الإمارات
جدول المحتويات
بين الرافعات المنتشرة في المناطق الصناعية شرق الشارقة والمساحات الصحراوية المفتوحة في منطقة الصجعة، يرتفع شكلان منحنيان من الخرسانة البيضاء بتصميم مذهل يلفت الأنظار. إنه المقر الرئيسي لشركة بيئة (BEEAH Headquarters)، وهو مبنى إداري يمتد على مساحة 9,000 متر مربع، ويولد كهرباء تفوق احتياجاته، ويعالج مياه الصرف الصحي في الموقع، ويحمل شهادة LEED البلاتينية (LEED Platinum)، ويحقق ذلك في أحدى أكثر البيئات المناخية تحدياً قد يواجهها مبنى.
تتعرض هذه المنطقة سنوياً لأكثر من 3,500 ساعة من أشعة الشمس، وتصل درجة حرارتها لأكثر من 45 درجة مئوية في الصيف. دراسة هذا المبنى والمشروع ستساعدك لتفهم مفهوم الاستدامة عبر استهلاك الكهرباء، انتاجها، والمياه المستخدمة.

توجه الشارقة نحو المباني المستدامة
قبل أن يصبح مفهوم الحياد الكربوني من الموضوعات الرئيسية في النقاشات العامة، جاء مقر بيئة الرئيسي (BEEAH Headquarters) ليستجيب على تحديات خاصة في المنطقة، من أبرزها حرارة الصيف القاسية، ارتفاع تكاليف الطاقة، وتوجه الشارقة نحو ترسيخ مكانتها في مجال الريادة البيئية. واثبت مقر بيئة أن جزءاً كبيراً من كفاءة المبنى يتخذ من قرارات الهندسة في مرحلة التصميم.
تم تصميم الهيكل لتقليل اكتساب حرارة الشمس بشكل سلبي، حيث تجذب القبة المركزية بقطر 15 متراً الضوء الطبيعي وتحسن التهوية في المبنى، ويهدف التصميم الهندسي إلى تحقيق التوازن الديناميكي الحراري. ولأن هذا الأساس كان صحيحاً، فالأنظمة الذكية التي تضاف للمبنى، مثل نظام إدارة المباني المتكامل مع مايكروسوفت، وأنظمة المناخ من جونسون كونترولز، وأجهزة استشعار EVOTEQ التي تضبط الإشغال والإضاءة في الوقت الفعلي، تساعد على تحقيق كفاءة أكثر. ويتميز مقر بيئة بأنه مبنى يؤدي وظيفته بشكل مستدام، حيث كانت الشارقة بحاجة اليه وهذا ما تم بناؤه.

تحديات المناخ في تصميم مقر بيئة الرئيسي
إذا كنت ترغب في فهم ما الذي يحققه تصميم مقر شركة بيئة المستدام، يجب عليك النظر الى ظروف المنطقة التي سيواجهها أي مبنى يتم بناؤه في الموقع نفسه.
- الحمل الحراري: تتجاوز درجات الحرارة القصوى في منطقة الصجعة خلال فصل الصيف 45 درجة مئوية، وتعد شدة الإشعاع الشمسي في هذا الجزء من الخليج من بين الأعلى في العالم. في ظل هذه الظروف، قد يستهلك مبنى مكتبي تقليدي ذو ستائر زجاجية أكثر من نصف ميزانيته الكاملة من الطاقة لمجرد الحفاظ على درجة حرارة داخلية أقل من 26 درجة مئوية.
- تسرب الرمال: يقع الموقع في صحراء مفتوحة دون أي حماية من الرياح. تتسلل الرمال الناعمة التي تحملها رياح الشمال السائدة إلى أنظمة التهوية، وتسد المرشحات، والأهم من ذلك، تغطي الألواح الشمسية حتى ينخفض إنتاجها بنسبة 30% أو أكثر إذا لم تتم صيانتها أسبوعياً.
- ندرة المياه: لا يوجد مصدر محلي للمياه العذبة. كل لتر من المياه المستخدمة في المبنى إما يصل محلى أو يتم نقله بالشاحنات، مما يعني أن تصميم أنظمة المياه المهدرة ليس مجرد مشكلة بيئية.
- راحة المستخدمين: يقضي مئات الأشخاص ثماني ساعات يومياً أو أكثر داخل المبنى. وأي استراتيجية للاستدامة تقلل استهلاك الطاقة على حساب الإضاءة المناسبة أو جودة التهوية أو الراحة الحرارية لن تحقق هدفها بالكامل؛ إذ قد يحاول المستخدمون إلى فتح الأبواب أو تجاوز إعدادات منظمات الحرارة أو استخدام أجهزة تدفئة إضافية للوصول إلى مستوى الراحة المطلوب.
- غياب الظل من المبنى المجاور: على عكس مشروع وسط المدينة حيث تحجب الأبراج المجاورة بعض التعرض لأشعة الشمس، فإن هذا المبنى محاط بأرض مفتوحة مسطحة، مما يعني أن كل واجهة تواجه القوة الكاملة للشمس خلال النهار.
كل هذه الشروط كانت تتعارض مع الأداء المستدام الذي كان على شركة BEEAH إثباته. وهذا تحديداً هو سبب اختيار الموقع لأختبار قدرة التصميم المعماري والهندسي على التعامل مع الظروف البيئية القاسية.

كيف ساهم تصميم زها حديد في تحقيق الاستدامة؟
عندما كلفت شركة BEEAH مكتب زها حديد للهندسة المعمارية (Zaha Hadid Architects) بتصميم مقرها الرئيسي في الشارقة، لم يكن الهدف من التصميم إنشاء معلم بارز، بل كان حل مشكلة بيئية حقيقية: كيف يمكن بناء مكتب في أحد أكثر المناخات قسوة على وجه الأرض مع الحفاظ على بيئة داخلية تشجع الموظفين على العمل فيه؟ أمضى استوديو زها حديد عقوداَ في إتقان تصميم أشكال انسيابية منحوتة بفعل الرياح. وهنا لأول مرة اكتسبت هذه الأشكال دافعاً هيكلياً يتجاوز الجانب البصري، حيث يستمد المبنى شكله مباشرة من حركة الرياح عبر الصحراء المفتوحة؛ كتلتان متداخلتان تشبهان الكثبان الرملية، وتعملان على إعادة توجيه تدفق الهواء بدلًا من مقاومته.
يفصل جناحان المبنى بين الوظائف وحركة الهواء؛ أحدهما يضم المساحات العامة والتنفيذية، والآخر الطوابق الإدارية. أما الواجهات الأكثر تعرضاً لأشعة الشمس فهي مغطاة بألواح خرسانية مقواة بالزجاج تحجب الإشعاع الشمسي المباشر عن سطحها. ولا يظهر الزجاج إلا في المواضع التي تستدعي ذلك، حيث يصل ضوء النهار إلى مناطق العمل دون أن يجعلها مساحة شديدة الحرارة.
في المنتصف، عند ملتقى الجناحين، ترتفع قبة خرسانية 15 متراً. تعمل هذه القبة تماماً مثل برج الرياح التقليدي أو البادجير، حیث يرتفع الهواء الساخن ويتسرب من أعلاها، ساحباً معه هواءً بارداً إلى الطوابق المأهولة أسفلها. كما تعمل هذه القبة نفسها على توجيه الضوء الطبيعي إلى أعماق المبنى، ليصل إلى المناطق التي كانت ستعتمد لولاها على الإضاءة الاصطناعية من منتصف الصباح فصاعداً.

مبادئ التصميم المستدام
غالباً تعرض البيانات المتعلقة بالمباني المستدامة بنسبة مئوية ومستوى شهادة، لكن دلالتها تصبح أوضح عند مقارنتها بمبنى تقليدي مماثل في الحجم يعمل من دون تطبيق تدابير الاستدامة. ويوضح الجدول أدناه ما الذي يميز مقر بيئة الرئيسي (BEEAH) عن المباني التقليدية:
|
معيار المقارنة |
مبنى تقليدي في الإمارات |
مقر بيئة الرئيسي |
|
التوازن السنوي للطاقة |
مستهلك صافي للطاقة |
صافي صفر للطاقة |
|
حصة التبريد من استهلاك الطاقة |
نحو 50–70% من إجمالي الاستهلاك |
تقليل الطلب على التبريد بفضل التصميم المعماري والتظليل |
|
الشهادة البيئية |
لا توجد شهادة LEED، أو شهادة من الفئة الأساسية |
شهادة LEED البلاتينية |
|
توفير الكهرباء بعد غروب الشمس |
الاعتماد على شبكة الكهرباء، بما فيها مصادر الوقود الأحفوري |
تخزين الطاقة باستخدام بطاريات تسلا |
يتميز المقر الرئيسي لبيئة بفضل قرارات التصميم التي اتخذت قبل البناء، حيث شملت شكل المبنى واتجاهه والمواد المستخدمة في إنشائه. وقد ساعدت هذه الخيارات على تقليل الطلب على الطاقة قبل الاعتماد على الأنظمة الميكانيكية.
التكنولوجيا الذكية تحسّن أداء المباني
تم تطوير المقر الرئيسي لشركة BEEAH بالتعاون مع مايكروسوفت، وجونسون كونترولز، وإيفوتيك (EVOTEQ)، حيث يضم نظام متطور للغاية؛ أجهزة استشعار تعمل بالذكاء الاصطناعي لضبط الإضاءة، وغرف تتيح الوصول إلى الحجوزات غير المستخدمة تلقائياً، بالإضافة إلى خدمة كونسيرج افتراضية. الأمر المهم هنا أن التكنولوجيا الذكية تحسّن الأداء الأساسي ولا تعوض ضعف التصميم، وهذه نقطة يجب أخذها في عين الاعتبار عند تقييم عقار أو مشروع للتأجير أو الاستثمار.
في مقر بيئة الرئيسي، تعمل الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي فوق بنية وأساس يحقق جزءاً كبيراً من الكفاءة عبر التصميم والشكل الهندسي، الاتجاه والكتلة الحرارية، والألواح الشمسية لتغطية ذروة الطلب على الطاقة خلال الصيف.

تأثير الاستدامة على القيمة العقارية
إذا كنت تقوم بتقييم أي عقار سكني أو تجاري أو متعدد الاستخدامات، فإن القيمة طويلة الأجل للأداء الصافي الصفري الحقيقي تتلخص في ثلاثة أشياء لا يأخذها معظم المشترين في الاعتبار عند نقطة الشراء:
- الحد من التعرض لارتفاع تكاليف المرافق: يساعد المبنى الذي يولد الكهرباء التي يحتاج إليها على تقليل تأثره بارتفاع تعرفة الكهرباء مقارنة بالمباني التقليدية. وفي الإمارات، حيث شهدت تعرفة الكهرباء السكنية والتجارية تعديلات متعددة خلال العقد الماضي، قد تكتسب هذه الميزة قيمة فعلية تتراكم مع الاحتفاظ بالعقار لفترة طويلة.
- الاستعداد للتشريعات المستقبلية: شهدت متطلبات الاستدامة في الإمارات تشديداً تدريجياً، ومن المتوقع استمرار تطورها. ومن المرجح أن يكون المبنى الحاصل على شهادة LEED البلاتينية والمصمم وفق معايير صافي صفر للطاقة أكثر استعداداً لمواكبة متطلبات الامتثال المستقبلية، مثل تلك التي قد تحدد لعام 2035، من دون الحاجة إلى تجديدات مكلفة. في المقابل، قد لا يفي مبنى استوفى الحد الأدنى من المتطلبات الحالية بالمعايير اللاحقة.
- القيمة المرتبطة بالسمعة والمكانة: استضاف المقر الرئيسي لبيئة (BEEAH Headquarters) وفوداً دولية ووزراء حكوميين ووسائل إعلام من أكثر من اثنتي عشرة دولة. وقد لا تظهر هذه المكانة في فواتير الخدمات، لكنها قد تؤثر في مناقشات التقييم العقاري ومفاوضات الإيجار.
يجري توسيع هذا النموذج عبر مشروع مدينة خالد بن سلطان في الشارقة، حيث تنتقل مبادئ التصميم التي طبقت في مبنى إداري واحد إلى منطقة متكاملة متعددة الاستخدامات. ويشمل ذلك الاهتمام للتصميم السلبي، ودمج استراتيجيات الطاقة، والالتزام بقياس الأداء الفعلي في المكونات السكنية والتجارية والمساحات العامة.
أسئلة يجب طرحها قبل شراء عقار مستدام
قبل أن تتخذ قرار شراء أو إيجار وفقاً لكلمة مبنى مستدام أو صديق للبيئة في وصف العقار، اطرح ثلاثة أسئلة بهذا الترتيب:
- أولاً، كيف يسهم شكل المبنى في خفض الطلب على الطاقة؟
يحدد حجم المبنى واتجاهه ما بين 40 و60% من كفاءته في استهلاك الطاقة حتى قبل تركيب أي نظام. فالمبنى الزجاجي المستطيل الموجّه للغرب، لن يصبح عالي الكفاءة في صيف دبي مهما بلغت التقنيات المضافة إليه.
- ثانياً، هل يستطيع المطور تقديم بيانات استهلاك واقعية من مبنى مأهول؟
أقل من نصف المباني في دولة الإمارات تحقق أداء وفقاً لتصميمها على أرض الواقع. لذلك، إذا لم يتمكن المطور من إظهار أرقام وبيانات معتمدة من سنة تشغيل فعلية، فاعتبر كل ادعاء بالاستدامة مجرد طموحات.
- ثالثاً، من سيتولى صيانة الأنظمة بعد خمس سنوات؟
يقلل الرمل إنتاج الطاقة الشمسية من الألواح بنسبة 30% في غضون أسابيع، وعندما يتخلى المطور عن المشروع عند التسليم، تتسع فجوة الأداء بسرعة.

مقر بيئة الرئيسي ومستقبل العقارات المستدامة
توضح تجربة المقر الرئيسي لبيئة اتجاهاً متنامياً في القطاع العقاري؛ إذ يتابع المطورون في الشارقة والإمارات عموماً نموذجاً يحقق الكفاءة ليس من خلال إضافة تقنيات غالية الثمن فحسب، بل لأن التصميم نفسه حلّ التحديات البيئية قبل بدء الإنشاء.
يشير هذا التحول من الاستدامة الشكلية إلى الاستدامة القائمة على الأداء إلى تغير في طريقة تقييم المستثمرين والمشترين للمشاريع الجديدة. فالعقارات التي تستطيع تقديم بيانات فعلية عن الاستهلاك، وإظهار تكاليف تشغيل أقل، والاعتماد على تصميم معماري قادر على الاستمرار بكفاءة، قد تتمتع بميزة تنافسية في السوق. ويوفر المقر الرئيسي لمجموعة بيئة (BEEAH) معياراً مهماً لفهم كيفية ارتباط التصميم المستدام بالأداء التشغيلي والقيمة العقارية.
ترفع المباني مثل المقر الرئيسي لبيئة سقف التوقعات لما تعنيه الاستدامة في القطاع العقاري الإماراتي. وإذا كنت تبحث عن عقار مستدام وذو كفاءة تشغيل للاستثمار، تواصل مع كوتوك عبر الواتساب للحصول على المساعدة في استكشاف الخيارات العقارية المناسبة.

رؤى سوق المشاريع على الخارطة
احصل على معلومات العقارات والاستدامة من كوتوك. تحدث معنا عبر واتساب للحصول على إرشاد سريع.
احصل على المعلومات عبر واتسابالأسئلة الشائعة
المبنى هو مقر عمل للشركة وليس وجهة سياحية، لذا تتم الزيارات عادة من خلال فعاليات منسقة، أو ترتيبات صحفية، أو وفود رسمية.
لا، وهذا التمييز مهم. تقر شهادة LEED البلاتينية بمعايير عالية للتصميم المستدام في فئات متعددة؛ الطاقة، والمياه، والمواد، والبيئة الداخلية، أما الطاقة المحايدة فهي نتيجة أداء محددة.
يتمثل أحد التحديات الرئيسية في الحفاظ على الأداء المستهدف رغم الحرارة والغبار والاستخدام اليومي. فغياب الصيانة المناسبة أو عدم ضبط أنظمة التبريد والتحكم قد يقلل من كفاءة المبنى، حتى لو كان تصميمه الأصلي متقدماً.





